أمريكا بحاجة إلى إيران في أفغانستان طباعة أرسل إلى صديق
ترجمات - تقارير إيرانية

مركز الأبحاث الاستراتيجية الإيراني

الكاتب: ناصر سجافي أميري


بعد أن واجهت مشكلات متزايدة في أفغانستان، قررت إدارة أوباما إجراء عملية إعادة نظر شاملة في توجه الولايات المتحدة تجاه إيران، فتخطط إدارة أوباما لاستراتيجية إقليمية جديدة من أجل معالجة الموقف المتدهور في أفغانستان. وبالوضع في الاعتبار النفوذ الإيراني الكبير هناك، فإن إطلاق أيّ توجه إقليمي جديد بدون إشراك إيران سوف يكون بلا معنًى.
فتعاون إيران مع الولايات المتحدة في أفغانستان عام 2001م كان مهمًّا وحيويًّا في الإطاحة بنظام طالبان، وفي تنصيب حكومة ديمقراطية في أفغانستان. ولكن التعاون بين إيران والولايات المتحدة لم يستمر طويلاً بعد إدراج بوش لإيران في "محور الشر" في خطبته في يناير 2002م عن حالة الاتحاد. وبسبب هذه التجربة السابقة فمن الصعب أن نعتقد أن إيران ستتعاون بسهولة مع الولايات المتحدة في أفغانستان، إلا إذا تم إعادة صياغة تعاونهما المستقبلي في سياق استراتيجي شامل.
فمن الواضح الآن أن إيران تتمتع بقدر كبير من الإمكانيات للعب دور مهم في كل من استقرار وتنمية أفغانستان، فالروابط التاريخية والثقافية واللغوية بين أفغانستان وإيران كثيرًا ما شجَّعت على وجود روابط وثيقة بين كلا البلدين، فإيران تعد الشريك التجاري الرئيس لأفغانستان، وتجدد الروابط مع إيران يسمح لأفغانستان باستخدام ميناء شابهار الإيراني، والذي يعد أقرب وأفضل نقطة وصول عبر إيران إلى المحيط الهندي. 
وبالتالي فإن إيران تُعد أقصر وأفضل نقطة وصول إلى البحار المفتوحة لأراضي أفغانستان المغلقة، كما أن إيران قد منحت أفغانستان تخفيضًا قدره 90% على الجمارك والتعريفات الجمركية. أما محافظة هيرات والتي كانت في السابق جزءًا من الإمبراطورية الفارسية فقد كانت المستفيد الأكبر من ازدهار التجارة مع إيران؛ فالتجارة بين إيران وأفغانستان أصبحت أسهل بفضل الطرق السريعة الممهدة التي شقتها إيران، والتي تعبر الحدود وصولاً إلى غرب أفغانستان. ومن المتوقع أن تتخطى قيمة الصادرات الإيرانية غير النفطية لأفغانستان مليار دولار في 20 مارس 2005م (وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية IRNA في 7 نوفمبر 2008م).
كما أن لدى إيران أسبابًا قوية لرؤية أفغانستان أكثر استقرارًا، سواء من أجل حل مشكلة اللاجئين، أو لمنع تدفق المخدرات الأفغانية إلى إيران؛ فالشباب الإيراني يدفع ثمنًا باهظًا لفشل عمليات الناتو في كبح جماح إنتاج الأفيون في أفغانستان المجاورة، فقد ازدادت تجارة المخدرات من الأفيون التي يتم تهريبها من أفغانستان -والتي تعد مصدرًا لأكثر من 90% من حجم تجارة الأفيون العالمية- بنسبة وصلت إلى خمسة أضعافها في السنوات الخمس السابقة (الجارديان في 11 سبتمبر 2008م).
وبالرغم من ازدياد الدلائل على تدهور الأوضاع في أفغانستان، إلا أن إدارة بوش وحلفائها من الناتو تبنوا خيارات أمنية سيئة، وتجاهلوا بصورة كبيرة الحاجات التنموية للسكان الأفغان، كما لم تأخذ إدارة بوش الأنباء بصعود نفوذ طالبان وتجدد نشاطها مأخذ الجد في السابق، كما أنها لم تهتم أيضًا بمكافحة زراعة المخدرات وازدهار تجارتها، وظل الموقف الأمني في البلاد يتدهور يومًا بعد يوم، ولم يتوفر الأمن إلا بصورة محدودة في العاصمة الأفغانية كابول، ووضع هذا التجاهل المستمر لمسئوليات الولايات المتحدة والناتو التحالف في أفغانستان على شفا الهزيمة العسكرية.
وتلك التجربة يمكن أن تكون مُهينة للغاية للولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب، وكذلك للناتو في أولى مهامه الأمنية خارج نطاق سيطرته الأوروبية. وقد جاء أوباما إلى السلطة حاملاً ميراث حربين غير مكتملتين في العراق وأفغانستان. وبالرغم من أن هناك أسبابًا للتفاؤل في العراق، إلا أن الوضع في أفغانستان يبعث على التشاؤم، وهناك العديد من الأسباب التي تدعو إلى القلق بسبب تدهور الموقف في أفغانستان يومًا بعد يوم.
ومن أجل وقف تلك الدوامة من الموقف المتدهور تعهد أوباما في حملته الانتخابية بأن يركز سياسة بلاده الخارجية على مشكلات أفغانستان، والتي أصبحت تحتل الآن مركز اهتمام السياسة الخارجية في إدارته، كما توقعت بعض الأنباء بأن هناك توجهًا إقليميًّا تدرسه إدارة أوباما من أجل الحصول على مساعدات الدول الإقليمية المجاورة، مثل روسيا والصين وإيران، وسوف تطلب أمريكا من تلك الدول بصورة مباشرة تقديم مساعدات في أفغانستان. 
ولكن إيران تعلم أن إدارة أوباما تواجه معضلة حاليًا من أجل تحويل إيران إلى شريك في أفغانستان، ولكن بدون أن تعقد معها علاقات دبلوماسية في الوقت ذاته، لذا تشير بعض التقارير إلى أن إدارة أوباما تخوض حاليًا عملية مراجعة شاملة لسياساتها تجاه إيران.
إن الولايات المتحدة تخطط حاليًا لنشر 30 ألف جندي إضافي في الثلاثين شهرًا القادمين، ولكنها تواجه الآن تحديات جسيمة فيما يتعلق بالمسارات غير الآمنة التي توصل من خلالها الإمدادات عبر باكستان؛ حيث نقل الناتو والولايات المتحدة ما يزيد عن 75% من الإمدادات غير القتالية منذ بدء الأزمة من الوقود والغذاء وأدوات البناء، عبر باكستان، كما فاقم من مشكلة الولايات المتحدة قرار حكومة قيرغستان بإغلاق القاعدة الأمريكية في البلاد، والتي كانت تعمل كوسيط حيوي لتوصيل الإمدادات إلى أفغانستان، وفي ظل تلك الظروف تخطط الإدارة الأمريكية لإيجاد مسارات بديلة لتوصيل الإمدادات إلى أفغانستان.
ومن الطبيعي أن تحظى إيران بموقعها الاستراتيجي بالنصيب الأكبر بين دول الجوار فيما يتعلق بمساعدة الولايات المتحدة في توصيل تلك الإمدادات، ففي الماضي أدى توجس إدارة بوش من النفوذ المتصاعد لإيران في المنطقة إلى إعاقة أيّ دور نشط وفعال لإيران في أفغانستان، وظلت تلك الإدارة حريصة على قمع أية مبادرات تقترحها إيران تصب في مصلحة الأمن والتنمية في أفغانستان. 
وبالرغم من أن إيران تمتلك تاريخًا طويلاً من معارضة حكم طالبان منذ بدايته، إلا أن إدارة بوش ظلت تنظر إلى دور إيران في أفغانستان بتوجس كبير، فقد زعم المسئولون الأمريكيون سابقًا أن الأسلحة والمتفجرات الإيرانية كانت تجد طريقها إلى أيدي المتمردين في أفغانستان، ولكن تلك الانتقادات كانت بلا أساس، وقد توقفت تلك الانتقادات مع محاولات إدارة باراك أوباما تغيير النغمة الخاصة بالعلاقات الأمريكية الإيرانية.
ومؤخرًا أشار العديد من القادة السياسيين والعسكريين الغربيين إلى حاجتهم إلى تعاون وثيق مع إيران من أجل إحلال الاستقرار في أفغانستان، كما حثَّ سكرتير عام الناتو جاب دي هوب شيفر الولايات المتحدة والأعضاء الآخرين في هذا التحالف العسكري الغربي على التحاور مع إيران لمحاربة مقاتلي طالبان في أفغانستان. 
وفيما يُعتبر نقلة واضحة في رؤية واشنطن لطهران، صرح ريتشارد هولبروك المبعوث الأمريكي الخاص إلى أفغانستان، قائلاً: إن "من الواضح تمامًا أن إيران تلعب دورًا مهمًّا في أفغانستان" (يونايتد برس 16 فبراير 2009م). 
ومع هذه الأنباء فلن نشعر بالدهشة إذا رأينا أن كثيرًا من وسائل الإعلام الأمريكية تقول الآن: إن إيران والولايات المتحدة لديهما الكثير من القواسم المشتركة فيما بينهما.
فكلاً من إيران والولايات المتحدة ترفضان الأيديولوجية المؤسِّسة لأفكار طالبان والقاعدة، ورغم ذلك فليس من الواضح ما إذا كانت قضية أفغانستان سوف تكون جسرًا لمفاوضات أوسع بين واشنطن وطهران، أم ستكون على النقيض؟ لذا فإن هذا معناه أن هذا التعاون يجب أن ينتظر حتى يتم عقد تسوية شاملة بين الطرفين، والتي يمكن أن تغطي العديد من القضايا الاستراتيجية، بما في ذلك قضية أفغانستان. 
ومن كل ما سبق يبدو أن التعاون حول أفغانستان سوف يكون له النصيب الأكبر في الأيام القادمة.

ترجمة: محمد سليمان الزواوي

 

تاريخ النشر: مارس 2009م

 

عن المركز

المركز في الإعلام

أنشطة المركز