الجيوش ودورها السياسي.. مصر أنموذجًا طباعة أرسل إلى صديق
 

لعبت الجيوش العربية بداية من النصف الأخير من القرن الماضي دورا مميزا في توجيه دفه السياسة في الكثير من الدول الجمهورية العربية.

واختلف الباحثون في تقييم هذا الدور وأثره على وضع العرب الاستراتيجي في تلك الحقبة فالبعض يقول إن قيام الدول العربية بفكرها القومي وما صاحبها من اندلاع موجات التحرر من الاستعمار والتحديث الحضاري في هذه الدول تم على أيدي هؤلاء الضباط الذين ركبوا دباباتهم ليسقطوا الأنظمة العميلة على حد تعبيرهم. والبعض الآخر يتهم هؤلاء العسكر بالمسئولية عن تردي أوضاع حقوق الإنسان والحريات وانتهى الأمر بوضع اقتصادي وخدمي متردي جعل المواطن البسيط لا يشعر بأي أثر تنموي ولا حتى استقلال حقيقي.
ومع بزوغ الربيع العربي واندلاع الثورات في بعض الدول العربية خاصة تلك التي كان للجيش دورا ومميزا في إدارة دفة الحكم فيها برز الحديث عن حل لهذه المعضلة ؛وهي طبيعة دور النخبة العسكرية في المستقبل السياسي لهذه الدول .
وانطلاقا من الهدف الذي وضعه «المركز العربي للدراسات الإنسانية» عند إنشائه عقد المركز، اليوم الثلاثاء 17 يناير 2012م، حلقة نقاشية تحت عنوان  "الجيوش ودورها السياسي.. مصر أنموذجا".
ويسعى المركز من خلال هذه الحلقة النقاشية إلى تفكيك تحليلي لهذا الدور لنصل في النهاية إلى وضع سيناريوهات للوضع السياسي المستقبلي لهذه الجيوش متخذين الحالة المصرية أنموذجا .
شارك في الحلقة النقاشية «أ.د. عبد الفتاح ماضي» أستاذ العلوم السياسية، والعميد «صفوت الزيات» الخبير الاستراتيجي والمحلل العسكري.

 وقد تناولت الحلقة المحاور الآتية:
الجيش في النظم السياسية المعاصرة:

تناول أ.د. عبد الفتاح ماضي وضعية المؤسسة العسكرية في النظم السياسية المعاصرة موضحا كونها جزء من السلطة التنفيذية في النظام السياسي تضطلع بدور ليس سياسي في الأصل وإنما هو دور احترافي متمثل في المسئولية عن كل ما يتصل بالشؤون الدفاعية للدولة ومع قيامها بهذه المهمة تخضع في نفس الوقت للسلطة التنفيذية فالمؤسسة العسكرية تنفذ قرار الحرب ولكنها لا تتخذ هذا القرار.
 وأكد د.ماضي على كون ذلك هو الحالة الطبيعية لدور المؤسسة العسكرية في النظام السياسي ولكنها قد تضطلع ببعض المهام الأخرى سماها " بالمهام الانتقالية " كتدخلها في حالة الكوارث والأزمات لكنها تديرها وفق إطار دستوري يضبط هذه المهام. 
وتناول د.ماضي أوضاع المؤسسة العسكرية في بعض النظم كأمريكا اللاتينية ذاكرا كونها تدخلت في العملية السياسية عن طريق الاستيلاء على السلطة وكذلك تناول وضعيتها في النظم الملكية مبينا مدى شدة العلاقة بين رأس السلطة الملكية والمؤسسة العسكري لحد يصل إلى كون المؤسسة العسكرية تصير حامية للنظام الملكي لا الدولة.

الجيش والتحول الديمقراطي
تعرض د.ماضي لدور المؤسسات العسكرية في مرحلة التحول الديمقراطي حيث الانتقال من حكم الفرد إلى الحكم الجماعي مبيننا احتمالات ثلاث لهذا الدور: 
أ- أن يقوم الجيش طواعية بالعمل على تسليم السلطة لحكومة مدنية كما في حالة الأرجنتين 
ب- أن يجبر الجيش على التنازل لسلطة مدنية كما في حالة البرتغال ورومانيا. 
ج- أن ينقسم الجيش من داخله وينتصر الفريق المنادي بتسليم الحكم لسلطة مدنية.
وأكد د.ماضي على أن هناك عدة عوامل إذا توافرت تساعد على التعجيل بتسليم الحكم لسلطة مدنيه أهمها: 
أ- وجود بديل وطني قوي للجيش يتسلم منه السلطة. 
ب- تأييد ودعم الفاعل الخارجي لعملية التحول الديمقراطي.
 
الدفاع والأمن 
-تناول  العميد «صفوت الزيات» مفهومي الأمن والدفاع مبينا كون مفهوم الأمن أعم من مفهوم الدفاع حيث يختص الثاني بالحماية من الخطر الخارجي المتمثل في ضربات العدو أما الأول فيتضمن كل ما يؤثر على كيان وقيم الدولة سواء من الداخل أو الخارج سواء كان العدوان عسكري أم غير عسكري.
وأكد الزيات على كون المؤسسة العسكرية معنية بالدفاع أما الأمن القومي فهو أمر أعم من حيث المسئولية حيث يكون جهاز الأمن القومي بما يتضمنه من سلطات سياسية بجانب المؤسسة العسكرية. 
وأشار الزيات إلى خضوع المؤسسة العسكرية للقرار السياسي حيث الساسة من يبدءون الحرب وهم من ينهيها. 
 
واقع الحالة المصرية:
تطرق الزيات للحالة المصرية موضحا التسلسل التاريخي لدور المؤسسة العسكرية في العملية السياسية فذكر أن:
دور المؤسسة العسكرية منذ1952إلي 62 19 كان متماهي مع السلطة السياسية الحاكمة.
 في الفترة من 1962 إلي 1967 غُيبت السلطة السياسية والمتمثلة في الرئيس جمال عبد الناصر عن رقابة المؤسسة العسكرية.
 بدءا من 1967 وحتى 1973 تمت إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية ووضع الرئيس السادات بعد توليه السلطة إطار جديد للعلاقة بينها وبين السلطة السياسية حيث أبعدها تماما عن الأخيرة في مقابل السماح لها ببناء اقتصادي خاص بها والسماح لأفرادها ببعض المناصب السيادية كمنصب المحافظ على سبيل المثال وكذلك أسس للاستعانة بها في ضبط الاضطرابات الداخلية كما حدث في عامي 1977 و 1986 
تناول الزيات وضعية الجيش في حقبة مبارك وإلى قيام الثورة مبينا كيف كانت بعيده تماما عن السياسة ولكن كانت موالية تماما للنظام الحاكم 
ثم عرج الزيات على موقف الجيش من الثورة المصرية مؤكدا على كون الجيش لم يدعم الثورة ولكنه وقف على الحياد وامتنع عن ممارسة العنف مع المتظاهرين وأوضح كون الطبيعة المحافظة للجيوش عموما والجيش المصري على سبيل الخصوص ترفض الثورة ولكن لحظة الثورة المصرية كانت واقعا لزم أن يتعامل معه في لحظه حاسمة وأكد أن الجيش كان يدرك دعم الفاعل الدولي لاقتلاع مبارك.
 
الفترة الانتقالية:
أما عن الفترة الانتقالية فقد فسر الزيات اضطراب المجلس العسكري في إدارة الحياة السياسية بالآتي: 
أ-كون المجلس العسكري ليس ثوريا ولكنه في دور الوصي على الثورة ،كما أن محاولة بعض وسائل الإعلام والساسة جعله حاميا لها دفعه إلى تصرفات ملكية وكأنه المسئول بمفرده عن صناعة السياسات.
ب-عدم الوعي الكافي بالحياة السياسية كان مفسرا لمواقفه المضطربة.
ج-العلاقة القوية بالنظام السابق والتي قد تصل إلى أبعاد إنسانية تفسر الكثير من مواقفه. 
 
مستقبل الجيش:
أما عن مستقبل الجيش في الحياة السياسية بعد انتهاء الفترة الانتقالية فقد أكد د.ماضي و ع. صفوت على ضرورة عدم إعطاء المؤسسة العسكرية أي ضمانات دستورية تؤسس لوضعية خاصة لها في الحياة السياسية مؤكدين على ضرورة مناقشة كل ما يخص الجيش من مشاريع اقتصادية وميزانية عسكرية في البرلمان الجديد 
وأكدا على كون القوى الثورية لن تسمح بأي وضعية خاصة للجيش في الحياة السياسية المصرية 
وفيما يخص رئيس الجمهورية القادم فقد رجحا كونه لن يكون عسكريا حيث أن المزاج العام يتجه نحو رئيس مدني تماما وأي مرشح رئاسة سيطرح نفسه بكونه مرشح المجلس العسكري سيُعرِض عنه الشعب.
 
التوصيات:
 
طرح المشاركون في الحلقة النقاشية بعض التوصيات المهمة :
1- ضبط العلاقة بين البرلمان والقوى الثورية.
2- عدم تقديم أي تنازلات للجيش في الدستور الجديد.
3- إعادة تقنين العلاقة المدنية العسكرية بعد اكتمال الأطر التنفيذية للدولة من حكومة ورئيس للبلاد.



 

 

 

عن المركز

المركز في الإعلام

أنشطة المركز